الشيخ محمد رشيد رضا
374
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأمتعتكم التي بها بلاغكم في سفركم بأن تشغلكم صلاتكم عنها فيميلون حينئذ عليكم اي يحملون عليكم حملة واحدة وأنتم مشغولون بالصلاة واضعون للسلاح ، تاركون حماية المتاع والزاد ، فيصيبون منكم غرة فيقتلون من استطاعوا قتله ، وينتهبون ما استطاعوا أخذه ، فلا تغفلوا عنهم ، ولا تجعلوا لهم سبيلا عليكم ، وهذا الخطاب عام لجميع المؤمنين لا يختص الطائفة الحارسة دون المصلية ، وهو استئناف بياني على سنة القرآن في قرن الاحكام بعللها وحكمها . ولما كان الخطاب عاما لجميع المحاربين ، وكان يعرض لبعض الناس من العذر ما يشق معه حمل السلاح ، عقب على العزيمة بالرخصة لصاحب العذر فقال وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ اي ولا تضييق عليكم ولا اثم في وضع أسلحتكم إذا أصابكم أذى من مطر تمطرونه فيشق عليكم حمل السلاح مع ثقله في ثيابكم ، وربما افسد الماء السلاح لأنه سبب الصدإ ، أو إذا كنتم مرضي بالجراح أو غير الجراح من العلل ، ولكن يجب عليكم حتى في هذه الحال ان تأخذوا حذركم ولا تغفلوا عن أنفسكم ، ولا عن أسلحتكم وأمتعتكم ، فان عدوكم لا يغفل عنكم ولا يرحمكم ، والضرورة تتقدر بقدرها إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً بما هداكم اليه من أسباب النصر ، كإعداد كل ما يستطاع من القوة وأخذ الحذر ، والاعتصام بالصلاة والصبر ، ورجاء ما عند اللّه من الرضوان والأجر ، فالظاهر أن العذاب ذا الإهانة هو عذاب الغلب وانتصار المسلمين عليهم إذا قاموا بما امرهم اللّه تعالى به من الأسباب النفسية والعملية ، وسيأتي قريبا ما يؤيد هذا المعنى في هذا السياق كالأمر بذكر اللّه كثيرا ، وقوله « فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ » ويؤيده قوله تعالى ( 9 : 15 قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) وقال جمهور المفسرين أن المراد به عذاب الآخرة ، وانه مع ذلك ينفي ما ربما يخطر في البال من أن الامر بأخذ السلاح والحذر يشعر بتوقع النصر للأعداء روى البخاري ان الرخصة في الآية للمرضي نزلت في عبد الرحمن بن عوف